أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
133
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
حيوة : « فلق » فعلا ماضيا ، وقد تقدم أن عبد اللّه قرأ الأولى كذلك ، وهذا أولّ دليل ، على أن القراءة عندهم سنّة متبعة ، ألا ترى إلى عبد اللّه كيف قرأ « فلق الحبّ » فعلا ماضيا ، وقرأ « فالق الإصباح » اسم فاعل ، والثلاثة المذكورون بعكسه . قال الزمخشري : فإن قلت : فما معنى فلق الصبح ، والظلمة هي التي تنفلق عن الصبح ؟ كما قال : 2019 - . . . * تفرّي ليل عن بياض نهار « 1 » قلت : وفيه وجهان : أحدهما : أن يراد : فالق ظلمة الإصباح - يعني أنه على حذف مضاف . والثاني : أن يراد : فالق الإصباح ، الذي هو عمود الفجر عن بياض النهار وأسفاره . وقالوا : انشق عمود الفجر وانصدع ، وسموا الفجر فلقا بمعنى مفلوق ، قال الطائي : 2020 - وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه * . . . « 2 » وقرىء : « فالق ، وجاعل » بالنصب على المدح انتهى . » وأنشد غيره . 2021 - فانشقّ عنها عمود الصّبح جافلة * عدو النّحوص تخاف القانص اللّحما « 3 » قوله : « وجاعل الليل » قرأ الكوفيون « جَعَلَ » فعلا ماضيا ، والباقون بصيغة اسم الفاعل ، والرسم يحتملهما . و « اللَّيْلَ » منصوب عند الكوفيين بمقتضى قراءتهم ، ومجرور عند غيرهم . ووجه قراءتهم له فعلا مناسبة ما بعده ، فإن أفعالا ماضية ، نحو : جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ « 4 » إلى آخر الآيات ، ويكون « سَكَناً » إما مفعولا ثانيا ، على أن « الجعل » بمعنى التصيير ، وإما حالا على أنه بمعنى الخلق ، وتكون الحال مقدرة . وأما قراءة غيرهم ف « جاعل » يحتمل أن يكون بمعنى المضي ، وهو الظاهر ، ويؤيده قراءة الكوفيين . والماضي عند البصريين لا يعمل إلّا مع « أل » ، خلافا لبعضهم في منع إعمال المعرفة بها ، وللكسائي في إعماله مطلقا . وإذا تقرر ذلك ، ف « سَكَناً » منصوب بفعل مضمر عند البصريين ، وعلى مقتضى مذهب الكسائي ينصبه به . وقد زعم أبو سعيد السّيرافي أن اسم الفاعل المتعدي إلى اثنين يجوز أن يعمل في الثاني ، وإن كان ماضيا ، قال : لأنه لما أضيف إلى الأول تعذرت إضافته للثاني فتعين نصبه له . وقال بعضهم : لأنه بالإضافة أشبه المعرف بأل فعمل مطلقا ، فعلى هذا « سَكَناً » منصوب به أيضا . وأما إذا قلنا : إنه بمعنى الحال والاستقبال فنصبه به . و « سكن » فعل بمعنى مفعول ، كالقبض بمعنى مقبوض . قوله : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً الجمهور بنصب « الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ » ، وهي واضحة على قراءة الكوفيين ، أي : تعطف هذين المنصوبين على المنصوبين ب « جَعَلَ » . و « حُسْباناً » فيه الوجهان في « سَكَناً » من المفعول الثاني والحال . وأما على قراءة الجماعة فإن اعتقدنا كونه ماضيا فلا بدّ من إضمار فعل ينصبهما ،
--> ( 1 ) عجز بيت لأبي نواس وصدره : تردّت به ثمّ انفرت عن أديمه * . . . انظر ديوانه ( 312 ) ، مشاهد الإنصاف ( 2 / 38 ) ، حاشية الكشاف للتفتازاني ( 2 / 333 ) . ( 2 ) صدر بيت وعجزه : . . . * وأوّل الغيث طلّ ثمّ ينسكب انظر حاشية الكشاف ( 2 / 333 ) ، العمدة ( 1 / 19 ) ، شواهد الكشاف ( 334 ) . ( 3 ) انظر حاشية الشهاب ( 4 / 100 ) . ( 4 ) سورة الأنعام ، آية ( 98 ) .